Fences.. دراما واقعية أم اقتباسًا مسرحيًا؟

(تحذير: المقال يحتوي حرقًا لبعض أحداث الفيلم)

فيلم مدته ساعتين، مُقتبسًا عن نصٍ مسرحي، أحداثه بالكامل تقريبًا تدور في بيتٍ وساحته الخلفية، وحواره المُطول يسيطر على السيناريو ويجعل أحداث الفيلم كُلها مسرودة على لسان أبطاله فقط.. هل هذا نوع الأفلام التي تُفضلها؟.. هل تشعر أنه ربما ليس الفيلم الذي قد تقضي وقتًا ممتعًا في مُشاهدته وأنه قد يكون مُملًا لأقصى درجة؟.. الأشكال القصصية دائمًا ما تكون خادعة في الأفلام السينمائية، ليس لها إطار معين توضع تحته، كل شيء مُتاحًا إذا كان في مصلحة الفيلم ويخدم رؤية مُخرجه.. حتى نفس نوع الفيلم الواحد قد يتم تناوله بشكل مختلف من مخرج ﻵخر، ويخرج بشكل مقبول وبطريقة مُغايرة وجديدة كل مرة. في فيلمنا هذا هي واحدة من تلك الأشكال غير المعهودة نظرًا لأن التناول غير معهود أيضًا. إذًا أكان هذا نوعًا من الاستسهال أم هذا ما تتطلبه نوعية القصة؟

الفيلم الدرامي الواقعي “Fences” تدور أحداثه في خمسينيات القرن الماضي ويحكي عن “تروي”، رب العائلة ذو البشرة الداكنة، الذي يعيش في بيته الضيق مع زوجته وولديه، يسير في حياته الأسرية بمنهج ومبدأ حياتي شديد التزمت، مُتمسكًا به ورافضًا التغييرات من حوله ولا يرغب في التغيير. يعتقد أنه وحده على صواب، وينظر إلى التغييرات العائلية الطارئة من حوله بهذا المنظور فقط، هذا هو واقعه، وهذا هو حاله. والسؤال المطروح هُنا هو كيف سيتمكن من العيش بهذه الرؤية الأبوية وسط تبدلات الأوضاع من حوله وكيف سيتطور تعامله مع أفراد عائلته بمرور الوقت؟

رغم أن الفيلم بالكامل يُركز على شخصية واحدة ويأخذ كامل وقته بوجودها على الشاشة وهي شخصية الأب “تروي”، التي جسدها الرائع دينزل واشنطن، إلا أنه لا يدور حولها بالأساس، فهي ليست الشخصية التي يُقال عنها “Study Character”، بل التركيز هنا يأتي على انعكاسات هذه الشخصية في نفوس أفراد عائلته من حوله، نعم هذا فيلمًا عن شخصية ما من المفترض أنها ذات فلسفة ومنهج حياتي مُعين، لكن رغم أنها طوال الأحداث لا تصمت ولا تتوقف عن الحديث عن نفسها وإنجازاتها الحياتية الماضية، إلا أننا نعلم عنه من أقوال الآخرين أكثر منه شخصيًا، “تروي” يتحدث بنزعة ساخرة مُتَكبرة وبلهجة سريعة، بالإضافة إلى المُبالغة الشديدة منه في الحديث عن مواجهته للموت مرات عدة، يسخر ويردد عبارات وجودية دون أن يمتثل لها، كل هذا يتغير في الفيلم ويتغير معه الأسلوب السردي أيضًا عندما تأتي حبكته الأساسية في مُنتصفه: يأتي المشهد الذي يُحذره فيه صديقه من غضب زوجته بسبب وجود امرأة ما في حياته، وبعدها تنقلب الأمور عندما يقرر أن يفاجئ الزوجة ويُخبرها بمُباشرة بالغة أنه ينتظر مولودًا قادمًا من امرأة أخرى.

“تروي” غاضب من أحوال ولديه؛ يرى أن ابنه الأكبر كسولًا، بسبب رفضه العمل معه كرجل قمامة، ويسخر منه عندما يُخبره أن الموسيقى هي حبه الوحيد في الحياة وما يجعله يستيقظ كل يوم في الصباح، أما ابنه الأصغر، المُراهق، فيريد أن يلعب البيسبول، الأب يصف هذا بالهُراء ويُسمعه حكمًا أبوية عن كيف يجب أن يعيش حياته في المستقبل وأن لعبة البيسبول غير مناسبة له بسبب لون بشرته الداكنة، نفهم من الحديث أن هذا ما حصل للأب في صِغره وأنه لا يريد أن يختبر التجربة مُجددًا مع ابنه المراهق. يطلب منه أن يتخلى عن حلمه ويساعده لمواجهة الواقع القاسي وأن يكسب قوت يومه كالرجال، يقولها بنزعة تهاجم التمييز العنصري ضد أصحاب البشرة الداكنة، وبتحسر على واقع الحياة.

الخط الدرامي في علاقة الوالد بالابن المُراهق كان غاية في التأثير العاطفي وهو -من منظورٍ ما- مكمن القصة الحقيقي، كما قُلت أن شخصية “تروي” الأب، محور الحدث، نراها في انعكاسات مَن حوله، فكانت شخصية الابن المُراهق هي أكثر ما انعكست عليه شخصية “تروي”، كان أكثر من استدرج عاطفته للقيام برد فعل قوي في مشاهد هي أروع ما في الفيلم من وجهة نظري، وبهذه الدرجة التي تجعلني أتذكرها جيدًا بعد انتهاء الفيلم. الابن لا يريد أن يمتثل لأوامر أبيه ولا يرغب في السير على خُطاه، في حوارٍ من أفضل الحوارات بالفيلم، يسأل الابن: “لماذا لا تُحبني؟” ساخطًا على عدم معرفة الأب شيئًا عن حياته الشخصية وعدم اهتمامه به.. يوضح الأب أن “الحب” ليس في قاموسه، ويقول له إن اﻷهم بالنسبة إليه هو إطعامه وتوفير كساء ومكان للنوم له، لا يفعل هذه الأشياء حُبًا فيه بالمعنى التقليدي، بل لأن هذه هي مهمته في الحياة، فهو يرى أن هذه هي مسؤوليته الأبوية بشكلها المُجرد، ولذلك فهو صاحب الكلمة العُليا التي يجب أن يسير عليها الشاب المراهق طوال فترة عيشه تحت سقف بيتَهُ، وأنه إذ لم يُعجبه الأمر يمكنه الرحيل وبناء بيته الخاص.. يا إلهي كم كان هذا المشهد عظيمًا!

فلسفة الأب تدعو للتأمل قليلًا؛ هذا أب من نمط اجتماعي قديم قد يكون كلاسيكيًا في المجتمع الأمريكي، يرى أنه كل شيء باعتباره رُبان سفينة العائلة وليس هناك مجالًا للمُناقشة أو الجدال في قراراته، لماذا خانَ الرجل زوجته التي عاشت معه ثمانية عشر سنوات؟ تبرر الشخصية: “كنت أريد أن أهرب من واقعي وأشعر بجزء مني مفقود.. كنت أريد أن أشعر مجددًا”، ويقول الفيلم: “نحن بشرًا.. لسنا آلات تعمل.. كلنا خطاؤون.. ولكي نظل مُقتنعين أننا لسنا أنماطًا تخيلية مثالية من أنفُسنا لابد وأن نستمر في الخطأ.. هذا أمر فطري لا عجب له”.

دور فيولا ديفيس في شخصية الأم “روز” -والتي حصدت فيه الجولدن جلوب واﻷوسكار لأفضل ممثلة مساعدة- كان أفضل اختيار، وأدته على أكمل وجه، الأم هادئة الطباع بنظراتها الحنونة على صغارها ممن حولها، مُتزنة، نعم، لكن تنفجر عندما تُصيبها الشدائد، صادقة للغاية في تجسيد الزوجة التي تكتشف خيانة زوجها لها، قادرة على التحكم في توقيت كل لحظة شعوريّة لها، الأداءات التمثيلية كانت لابد من أن تكون جيدة في فيلمٍ يعتمد بالأساس على سرد القصة على لسان أبطاله كهذا، يكفي دور “دينزل” وحده الذي حمل على عاتقه الفيلم كاملًا لكونه المخرج قبل أن أن يكون البطل الرئيسي.. الأمر الذي دائمًا ما أقول عنه إنه يُعبر عن رغبة ذاتية شديدة أو هَوسًا لدى صاحبها بتقديم قصةٍ ما وإخراجها للنور.

الفيلم يسيطر عليه أجواء العائلة بامتياز، الروح الخاصة للجلسات الأُسَرية وما يتبعها من أنواع حديث، ويتدرج الأمر بمرور الوقت لتتحول العائلة من متماسكة لمُفككة نوعًا ما، هناك وجهتان للنظر عكس بعضهما البعض تقع الأم فيهما في المركز; وجهة الأب وصديقه الذي يُجالسه دائمًا، ووجهة اﻷبناء الذي يمضي كُل منهما في طريقه الخاص، وتحتهما شخصية العم ذو القوى العقلية المتأخرة -شقيق تروي- الذي دائمًا يُردد كلمات روحية عند ظهوره في الكادر.. في مشهد اعتراف الأب بخيانته لزوجته كان الأمر مهولًا عندما دخل هذا الرجل وسط ذروة الحدث الدرامي بين الزوجين، يا إلهي لماذا حضر وكيف أفاد الحدث دراميًا؟!.. إنه كمن يقول هذا هو الواقع العائلي، أضاف الحضور للموقف شعورًا غاية في الروعة، هناك العديد من تلك اللحظات في الفيلم، والتي جعلته مُفضَّل للأكاديمية لاختياره في فئة أفضل فيلم، وهو ما لا أجد فيه هذا القدر من الاستحقاق، لعل أقوى تلك المشاهد في السياق الدرامي هو مشهد طرد الأب ابنه من ساحة البيت، وهو مشهد دينزل الأخير في الفيلم.

حسنًا.. الآن لماذا “سياج”؟ بماذا توحي وما هي الرمزيات المقصودة؟ في جملة حوارية بالفيلم قال “تروي” لصديقه بعد سؤاله عن سبب بناء السياج حول المنزل: “بعض الناس تبني سياجات لإبقاء من هم بالخارج.. وبعضهم لمن بالداخل”، السياج يعبر عن تحصين لمكان، ومن يُحصن مكانًا لابد وأنه القائد الذي يخشى حدوث ضرر لشعبه، الأب كان يريد بناء سياج حول حيوات أولاده بحيث لا يتمكنون من الخروج منه ويتبعون تعليماته، هناك سياج حول شخصية “تروي” نفسها هروبًا من الزوجة والأبناء، سياج داخلي وخارجي، هل هذا ما كان مقصودًا؟ سياج القصد منه “نحن مختلفون”.. سنلتزم بمبدأنا الحياتي الخاص ولا نجاري التغيرات بالمجتمع، هذا التضاد في المعنى جاء في المشهد الختامي عندما وضحت الأم لابنها أن الأب كان يريده مثله تمامًا في كل شيء، وأيضًا كل شيء هو ليس عليه ولم يستطع أن يكونه يومًا، مُفارقات كثيرة في المعنى لنفس المصطلح، لكنه أمر نسبي في النهاية.

اتبع دينزل في إخراج فيلمه الموسيقى القليلة والفصول المتتالية بشكل الطابع المسرحي، الأمر الذي ذكرني كثيرًا بفيلم “Its Only The End Of The World”، لكنه لم يلتزم بهذا اﻷسلوب طيلة الفيلم كما فعل الأخير، فخرج عن النمط منذ الحبكة المذكورة، أيضًا في التصوير خرج عن نمطه في اللقطات الطويلة والكادرات البعيدة التي اتبعها في البدايات، إلى التتابُعات المونتاجية والكادرات القريبة والمتوسطة بمرور الفيلم وصولًا للنهاية.

وبالحديث عن مشهد النهاية، الذي جاء ختامًا رائعًا لهذه القصة، الآن نحن بعد سِت سنوات، الأب توفي، الفتاة الصغيرة التي ربتها الأم “روز” كبرت، يأتي المُراهق الذي أصبح اﻵن أكبر إلى المنزل بعد عدة سنوات قضاها بالبحرية العسكرية، ما زال يكره ذكر اسم ابيه.. ما زال متأثرًا بمعاملته العنيفة له.. ما زال مشهد ضرب والده له في ذاكرته كأنه البارحة.. وعندما يرفض الذهاب لجنازة ابيه توبخه أمه: “أهذا سيجعل منك رجلًا الآن؟” وتُفسر له لماذا كان الأب بهذا الشكل، ولماذا يجب تقبل الحياة والمُضي قدمًا، تقول: “هذا أبيك في النهاية.. وسيظل كذلك”، كان ما تمنيته أم لا؟ ليست المُعضلة، ما يُهم هو أن تفهم، وإلا لن تستطيع العيش مع مشاكل الحياة المُستقبلية اللامُنتهية، وفعلًا، لم يستطع الابن التمسك بموقفه بهذا الشكل الطفولي بعد حديث أمه، لم يستطع أن يُجيب أبيه بـ”لا” كما تمنى أن يقول دائمًا حسب ما قال، وذهب للجنازة في النهاية.

الفيلم يجب النظر إليه بواقع أنه دراما اجتماعية أكثر بكثير من كونه اقتباسًا مسرحيًا، فالقصة هنا تُعبر عن واقع البشر، عن الحياة المؤلمة التي يتحتم علينا تقبلها والعيش فيها وعن أفعال البشر والخطايا وما بين ذلك من مُصطلحات، تصوير أبًا في فترةٍ ما من حياته كان ينتهج أسلوبًا لا يرضاه من حوله، والوقوف وقفة جادة وقتها والسؤال: هل رحيل هذا الأب سيغير الأشياء للأفضل فعلًا؟.. هل ما يفعله حقًا مُفيدًا أكثر منه ضارًا والابن لا يرى هذا بسبب عدم خبرته في الحياة وعدم رؤيته لأشياءٍ مثل ما رأها هذا الكهل المُخضرم؟.. العديد من المعاني الشعورية تجعل الفيلم هامًا للمُشاهدة، تجربة اجتماعية تثير فيك التساؤلات وتجعلك تُفكر في واقع حياتك قليلًا، قبل أن تعود بمخيلتك سريعًا لواقعك الفعلي لتقول بعد انتهاء الفيلم: “ماذا الآن؟”.

مشاركة Share on TwitterShare on FacebookShare on GooglePlusShare on Linkedin

Comments are closed.