تماثيل داكار.. بصمات للماسونية أم تجسيد للتاريخ؟

محمد الأمين-داكار
في داكار، وعلى شاطئ المحيط الأطلسي، ينتصب “تمثال النهضة” (أو هُبَل كما يسميه بعض مناهضيه) مجسدا تطلع أسرة أفريقية من أب وأم وطفل إلى نهضة شاملة، وأفق أرحب من الواقع الراهن في القارة السمراء.

ويعد هذا التمثال أحد أهم التماثيل التي تشتهر بها العاصمة السنغالية داكار، وتمتد لمدن أخرى في الداخل، بعضها يعكس جزءا من التاريخ ولو كان محل خلاف بين النخبة السنغالية، وبعضها الآخر يجسد السعي إلى المستقبل، أو يعكس جزءا من الثقافية أو الفن أو هوية البلد، غير أن هذه التماثيل لا تخلو في بعض الأحيان من إثارة نقاشات قوية وحادة بين نخبة البلد الواقع في الغرب الأفريقي.
هُبل المكلّفيقول أحد مناوئي فكرة “تمثال النهضة”، الذي تم إنشاؤه أيام حكم الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد، إن هذا التمثال يجمع عدة مآخذ يجب على السنغاليين رفضها، منها أن تكلفته المالية غالية جدا؛ إذ فاقت عشرة مليارات فرنك أفريقي (15.5 مليون دولار)، حيث تمت صناعته في كوريا الجنوبية، وصمم من مواد مكلفة ماليا.
ويرى منتقدو هذا التمثال أنه أقرب إلى طرح غريب على المجتمع السنغالي منه إلى واقع البلد والشعب، فمن جهة هو يتوجه غربا، أي إلى ضفة المحيط الأخرى، بينما يجعل القارة والخلفية الثقافية للبلد وراء ظهره، كما أنه يجسد صورة شبه عارية عكس ما يفترض في البلد، ويجعل الأسرة الأفريقية مجرد ثلاثة أشخاص، وهذا يناقضه الواقع الديموغرافي للقارة.
لكن مؤيدي الفكرة يرون أن التوجه إلى الضفة الأخرى انفتاح على الآخر، وأن ما يراه آخرون عريا مجرد خصوصية للبلد وتعبير عن الحرية، وأن أبا وأما وطفلا يجسدون الأسرة ولا يحصرونها.

تمثال بوابة أفريقيا يرى بعض السنغاليين أن له علاقة بالماسونية (الجزيرة)
ألغاز ماسونيةوغير بعيد عن تمثال النهضة، على الشاطئ نفسه، يقع تمثال البوابة الأفريقية الذي تم إنشاؤه عام 2002، أيام الرئيس عبد الله واد، ويرى فيه بعض السنغاليين رمزا من رموز الماسونية غير المفهوم للشعب السنغالي، خاصة أنه تم بناؤه من قبل رئيس صرح بانتمائه ذات مرة للماسونية قبل أن ينفصل عنها نهائيا.

وكان الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد صرح سنة 2009 بأنه كان عضوا في الماسونية نهاية العقد السادس من القرن الماضي، حين كان طالبا في مدينة بيزانسون بفرنسا، غير أنه أكد استقالته منها في الفترة نفسها وبشكل نهائي، وهو ما أثار حينها ضجة كبيرة في السنغال.
وإلى الآن يعيش الشعب السنغالي حساسية مفرطة تجاه محاولات تغلغل الماسونية في المسؤولين أو المجتمع، وتم إلغاء لقاء ماسوني يضم ستمئة شخصية مطلع العام الجاري كان مقررا في العاصمة داكار، وذلك بسبب الضغط الشعبي ضده، وكان منظموه يسعون ليكون أكبر تجمع للماسونية الأفريقية الفرانكفونية.

دمبا دي بون تمثال يثير كثيرا من النقاشات بالسنغال (الجزيرة)

تبعية للمستعمروفي قلب العاصمة داكار يقع تمثال “دمبا دي بون” الذي تم تشييده نهاية العقد الرابع من القرن المنصرم، ويرمز للرماة السنغاليين الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى مع فرنسا ضد الألمان.
ويرى كثير من السنغاليين في هذا التمثال تجسيدا للتبعية العمياء التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأفارقة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل إنها لم تجلب لهم أي نفع رغم ما قدموه في سبيلها.
فكثير من الجنود السنغاليين والأفارقة الذين شاركوا فرنسا حربها ودافعوا عنها وحرروا بعض مدنها، لم ترد لهم الجميل، وأكثر ما يتقاضاه الأحياء منهم اليوم هو 210 يوروات (245 دولارا) كتعويض تقاعد، بينما لا يحلم أبناؤهم أو أحفادهم بمجرد الحصول على تأشيرة لفرنسا كما يصرح بعضهم.
غير أن التماثيل في العاصمة السنغالية ليست دائما محل نقاشات وانتقادات، فهناك تماثيل تعكس الفن والتراث السنغالي والأفريقي، وقد تكون محل إجماع من السنغاليين عموما، ومن ذلك تمثالا دار السينما السنغالية، ويعكسان الرياضة الأولى في البلد، أي المصارعة الأفريقية من جهة، والطبل وما يرمز له فنيا في هذا المجتمع من جهة أخرى.

مشاركة Share on TwitterShare on FacebookShare on GooglePlusShare on Linkedin

Comments are closed.