فهرنهايت 451 يتناول شرور منصات التواصل الاجتماعي

 صوفي جيلبرت*
كيف يمكننا أن نصنع فيلمًا تلفزيونيًا من كتاب يرى أن الترفيه المتلفز يدمر البشرية؟ صرح راي برادباري لمجلة لوس أنجلوس الأسبوعية في 2007 بأن رواية “فهرنهايت 451″ هي صرخة ضد عصر الـ”فاكتويدس” أي عصر الحقائق الموجزة التافهة المقتطعة من سياقها، عصر شريط الأخبار السفلي في القنوات التلفزيونية، عصر تتراجع فيه قدرتنا على الانتباه حتى إن هذه الحالة التي يسميها بـ”الوجود الوثاب” تمنعنا من أن نجلس لنستمتع بقراءة رواية.
يصور الكتاب الذي نشر أول مرة عام 1953، امرأة تدور حياتها بأكملها حول “تفاعلاتها” مع ممثلين تشغل عروضهم وبرامجهم ثلاثة جدران كاملة من غرفة معيشتها. نوع من الترفيه الغامر لم يكن معروفًا في زمن برادباري، لكنه شائع الآن.
يستند فيلم “فهرنهايت 451” للمخرج والمؤلف السينمائي رامين باهراني -ومن إنتاج شبكة أتش بي أو (HBO)- إلى الديستوبيا الخاصة ببرادباري ليعيد رسمها في عصر التواصل الاجتماعي، مما يعني أن التلفاز لم يعد هو السبب في انهيار الحضارة، بل تولت الإنترنت تأدية هذا الدور.
تدور القصة في عالم بديل يدعى كليفلاند على طريقة مسلسل “بلاك ميرور” (Black Mirror)، حيث يجرم اقتناء الكتب (كما هي الحال في المصدر الذي اقتبست منه القصة)، وحيث المعرفة كما يقول الكابتن بيتي -الذي يؤدي دوره مايكل شانون- لفصل مليء بأطفال المدرسة “ستجعلكم مرضى ومجانين”.
اختُصرت الأعمال الكلاسيكية العظيمة مثل موبي ديك والإنجيل إلى مجموعة من الوجوه التعبيرية (emojis). كل الأشياء الأخرى يحرقها رجال الإطفاء الذين تطلق خراطيمهم الكيروسين بدلا من الماء.
الفرق الأبرز بين العمل التلفزيوني والكتاب هو فرق عملي، يتمثل في شيوع استخدام الهواتف المحمولة والقدرة على تنزيل أي كتاب بضغطة زر. في عالم باهراني يرتبط كل الأميركيين بشكل دائم بشبكة تعمل عبر الإنترنت تسمى “التسعة” (The Nine)، تبث على الشاشات في كل منزل، وتعرض على مباني المدن.
أي عمل أدبي أو فني يرفع على شبكة “التسعة” يوصم بأنه غرافيتي، ثم يحظر تداوله. كما أصبحت شركات التقنية وكأنها حكومة فعلية وطورت من اللغة لتُحسن التعامل مع مستقبلات الدوبامين لدى مستخدمي شبكة “التسعة” المضطربين بشكل أفضل. تقول كلاريس (صوفيا بوتيلا) لجاي مونتاغ (مايكل جوردان)، وهو رجل مطافئ يعمل تحت إمرة بيتي، “باعوا لنا ما أردنا، الذات والسعادة. نحن فعلنا هذا بأنفسنا. نحن من طالبنا بمثل هذا العالم”.

“راي برادباري صرح بأن رواية “فهرنهايت 451″ هي صرخة ضد عصر الـ”فاكتويدس” أي عصر الحقائق الموجزة التافهة المقتطعة من سياقها، عصر شريط الأخبار السفلي في القنوات التلفزيونية، عصر تتراجع فيه قدرتنا على الانتباه حتى إن هذه الحالة التي يسميها بـ”الوجود الوثاب” تمنعنا من أن نجلس لنستمتع بقراءة رواية”

تشابههل فعلنا ذلك حقًا؟ هل نفعله الآن؟ انظر كيف تتشابه هذه الفرضية بشكل كبير مع واقعنا، يمتلئ فيلم “فهرنهايت 451” بالضجيج الآلي لما يشبه الروبوت المنزلي أليكسا (تسمى في الفيلم يوكسي)، والتي تغمر مونتاغ، الذي يزداد امتعاضه باستمرار، بالمجاملات وتطلب له قطرة عين مخدرة، إضافة إلى استراقها السمع حتى حين لا يتوجب عليها ذلك.
إضافة إلى تصوير الفيلم أميركا باعتبارها بلدا تصبح فيها المعرفة والتعليم أخطارًا مؤرقة وليست أصولا قيمة. تأسس النظام كما يكشف الفيلم بعد حرب أهلية ثانية، عجلت بها الاختلافات الكثيرة في الرأي. التشويه المنهجي للحقائق والخبرة، والرفض العنيف للفكر المتنوع، والتقارير المعتادة عن جرائم الارتياب، إضافة إلى البث الدائم لشعارات وطنية على شبكة أخبار ذائعة الصيت. هل يمكن لهذه الأحداث أن تكون أكثر شبهًا بواقعنا الآن؟
حسنًا، قليلًا. وهذه هي المشكلة في “فهرنهايت 451″، يبذل الفيلم أقصى جهده ليعكس الواقع إلى درجة تُفقده منطقيته. (شعار النظام السلطوي هو “السعادة هي الحقيقة، الحرية اختيار، والذات هي القوة”. وهو شعار لا تربطه أي علاقة بالموضوعات الواردة في القصة مهما نظرت إليه من زوايا مختلفة).
علاوة على غياب العالم الداخلي لمونتاغ ونظرته المتغيرة للعالم عن الفيلم، وهو ما يُعد أهم أجزاء الكتاب. الأمر الذي لا يبقى لجوردن (الذي يلعب دور مونتاغ) سوى مجموعة من الشعارات التي تجاوزها الزمان والتعبيرات المرتبكة ليعبر بها عن جزء كبير من تطور شخصيته.
يستبعد باهراني حدثين من ثلاثة أحداث رئيسية في الرواية والتي تبرز امتعاض مونتاغ المتصاعد تجاه حياته ومسيرته المهنية: موت زوجته بجرعة زائدة من الأقراص المنومة، وموت كلاريس الفتاة الساذجة البالغة من العمر 17 عامًا والتي وجدت لمدة قصيرة لتفتح لمونتاغ باب التواصل مع الطبيعة (لا أقول إن الكتاب مثالي على أي حال).
بدلًا من ذلك يتلقى مونتاغ (الذي يعيش وحيدًا) نداء عمل روتينيا في أحد الأيام ليكتشف مكتبة كبيرة تكاد تكون بحجم مكتبة بودليان في جامعة أوكسفورد مليئة بالكتب المهربة تمتلكها امرأة في منتصف العمر ترفض الخضوع للتهديدات ولقاذفي النيران.
شيء ما في هذه السيدة وفي عصيانها الصامت أثار مونتاغ الذي انتابه شعور غريب لرؤيته الكتب لأول مرة بأشكالها المادية وحضورها. كان عليه أن يشارك ارتباكه الجديد هذا مع كلاريس التي لم تعد في سن المدرسة، بل كانت تصنف ضمن الـ”إيل” “eel” أي مجرمة خارجة عن المجتمع، وكذلك شبكة “التسعة” التي تخير ملاك الكتب بأن يحتملوا عنها بعضًا من سنوات عقوبتها. من تلك النقطة تتصاعد أحداث الفيلم بسرعة (تدوم مدة عرضه ساعة وأربعين دقيقة) حيث يتعمق مونتاغ أكثر فأكثر في المعارضة.

“يحتوي عالم باهراني المقتبس من الكتاب على كل أدوات الرعب المطلوبة المرتبطة بالديستوبيا”

رعبيحتوي عالم باهراني المقتبس من الكتاب على كل أدوات الرعب المطلوبة المرتبطة بالديستوبيا. أضواء النيون الكابوسية التي تناسب كل البيئات الموجودة، والوجوه التعبيرية المتوعدة الحاضرة دائمًا والتي تتفاعل بحرارة وبشكل تافه مع وحشية الدولة، وعدم القدرة على تجاوز المراقبة.
ذكرني الفيلم أكثر من مرة بحلقة مسلسل “بلاك ميرور” المسماة “فيفتيت مليون ميريتس” (Fifteen Million Merits)، والتي تعيش فيها شخصية دانيال كالويايا في صندوق أبيض صغير محاط من كل جوانبه بشاشات تلفاز ومتصل بشكل دائم بشبكة إعلامية غبية من الشخصيات الافتراضية والمواد الإباحية وبرامج تلفزيون الواقع.
لكن على خلاف نظيره النمطي لا شيء مرعب يحدث في “فهرنهايت 451″، ما لم تكن من نوع الأشخاص الذين يفزعهم مشهد نسخة محترقة ومتفحمة من كتاب هاري بوتر.
هذا لأن أكثر عناصر الكتاب الأصلي إزعاجًا وأكثرها ارتباطًا بالواقع استؤصلت بالكامل. على سبيل المثال لا ينتابنا سوى القليل من الكآبة التي سادت عالم برادباري، لأن الناس منشغلون على الدوام بالترفيه ومحرومون من التفكير الحر إلى درجة أن عقولهم توقفت عن القيام بمهمتها.
في الكتاب تمر زوجة مونتاغ بنوع من الغيبوبة الواعية يغذيها التلفاز والمهدئات وجدار صوتي داخل أذانها يمنعها من الشعور بالأشياء. يصطدم المراهقون في الرواية بالمارة على الأرصفة بحثًا عن الإثارة. وحين سمعت إحدى جارات مونتاغ الشعر صدفة أصابها اضطراب شديد بسبب المشاعر التي ولّدها داخلها، فهرعت إلى خارج الغرفة باكية. أكثر أوجه الشبه بروزًا بين رواية “فهرنهايت 451” التي صدرت عام 1953 وثقافة اليوم هو تصويره للمرض العقلي باعتباره نتيجة للحث والاستثارة الدائمة.
يتجاهل فيلم مونتاغ كل ذلك. الشخصيات الوحيدة التي يقضي معها وقتًا معتبرًا هي مونتاغ وبيتي وكلاريس. يظهر الغليان الداخلي الذي يؤرق مونتاغ جليًا في لقطات يستحضر فيها ذكرى والده الذي اعتقل حين كان طفلا صغيرًا، يتفوه بيتي بأكثر عبارات برادباري طولا وغموضًا في حوار حول المعرفة، وكلاريس ليست أكثر من مرافق في رحلة مونتاغ البطولية.
يبذل جوردان كل ما في وسعه لتأدية الدور الصامت، وشانون يتصرف على طبيعته كما هي حاله دائمًا. لكن من الصعب رؤية ما يفترض ببيتي أن يمثله. أعني غموض الفكر الحر. يبدو الفيلم مذهلا والعالم الذي بناه باهراني مليء بالتفاصيل. لكن من الصعب الوصول إلى تفسير للمشهد الأخير الملغز والذي كان بالإمكان تمثيله في وجه تعبيري دون أن يفقد الكثير من مغزاه.
تجسد سطحية الفيلم على الأرجح ما حاول برادباري قوله، بأن التلفاز والسينما هما وسيلتا ترفيه سطحيتان ثنائيتا الأبعاد مقارنة بطبيعة الكتب المعقدة والثرية والاستقصائية. من الواضح أنه كان مخطئا. لكن هذا الفيلم المقتبس عن كتابه ليس البرهان المقنع الذي قد تستعين به لمحاججته._______________* محررة بقسم الثقافة بمجلة أتلانتيك.

مشاركة Share on TwitterShare on FacebookShare on GooglePlusShare on Linkedin

Comments are closed.